شهدت دورة هذا العام من مؤتمر الهاتف المحمول العالمي في برشلونة تقديم نموذج أول لمنظومة ذكاء اصطناعي مخصصة للغة السواحيلية، طُوِّرت بمبادرة إفريقية تستهدف تقليص الفجوة الرقمية اللغوية في القارّة وإتاحة أدوات حوسبة متقدمة لمئات الملايين من الناطقين بهذه اللغة في شرق إفريقيا ووسطها. وقد جرى تقديم هذه المنظومة في إطار فعالية مخصَّصة لمشروعات الذكاء الاصطناعي الإفريقية، تضم نماذج بلغات إفريقية أخرى، مع تركيز خاص على جعل هذه التقنيات متاحة لشركات ناشئة ومطوّرين محلّيين يسعون إلى بناء خدمات رقمية موجهة للجمهور الإفريقي بلغاته الأصلية.
أشارت المعطيات المعروضة خلال الحدث إلى أنّ اللغة السواحيلية تُعد من أكثر اللغات استعمالاً في القارّة، مع حضور قوي في كينيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا والكونغو الديمقراطية ومناطق أخرى، ما يجعلها مرشحة لتكون بوابة للانتقال من الاعتماد الحصري على الإنجليزية والفرنسية في الذكاء الاصطناعي إلى نموذج متعدد اللغات يأخذ في الحسبان الألسن الإفريقية الكبرى. وتُقدَّم هذه المبادرة على أنها خطوة عملية ضمن مسار أوسع يرمي إلى ما تصفه الجهات المنظمة بانتقال الذكاء الاصطناعي الإفريقي من مرحلة الرؤية إلى مرحلة التطبيقات الفعلية القابلة للاستخدام في قطاعات متنوّعة.
الجهات المشاركة في المشروع عرضت نموذج مساعد افتراضي قادر على التفاعل بالسواحيلية في صيغة محادثة صوتية ونصية، مع إمكان دمجه في خدمات تجارية وخدمية محلية، مثل مراكز الاتصال، ومنصّات التجارة الإلكترونية، وتطبيقات المعلومات العامة. ويعتمد هذا التوجّه على بنية تقنية تجمع بين نماذج لغوية متخصصة في اللغات البانتوية وأدوات لمعالجة الكلام، بما يسمح بالتعامل مع خصائص السواحيلية من حيث الاشتقاق والبنية الصرفية المعقّدة، وهي عناصر عادة ما تُهمَل في النماذج العامة المدربة أساساً على الإنجليزية.
وقد أُحيط المشروع بخطاب يؤكد أن تطوير ذكاء اصطناعي بلغات إفريقية ليس مجرّد خيار هويّاتي أو رمزي، بل مسألة عملية ترتبط بإمكانية الوصول للخدمات الرقمية؛ إذ إنّ ملايين المستخدمين في الأرياف والمدن يتعاملون في حياتهم اليومية أساساً بالسواحيلية، بينما تبقى إلمامتهم بالإنجليزية محدودة، ما يُقيّد استفادتهم من التطبيقات الذكية المنتشرة عالمياً. وجرى التشديد كذلك على أن حضور اللغة المحلية في الواجهات والحوارات مع الأنظمة الذكية يسهم في تعزيز الثقة في الخدمات الرقمية، وييسّر إدماج فئات أوسع في الاقتصاد الرقمي الناشئ في القارّة.
المنظمون والمشاركون أوضحوا أن هذا النموذج السواحلي ليس مشروعاً معزولاً، بل جزء من سلسلة نماذج يُخطَّط لتطويرها بلغات إفريقية أخرى مثل الزولو والخوسا ولغات بانتوية إضافية، مع العمل على بناء بيئة تعاون بين شركات التقنية الإفريقية ومراكز البحث والجامعات داخل القارّة. كما طُرح خلال اللقاء جانب يتعلق بتكوين الكفاءات، من خلال دعم مطوّرين شباب وتوفير أدوات مفتوحة المصدر وواجهات برمجة تطبيقات تمكّنهم من إدماج هذه النماذج اللغوية في تطبيقاتهم التجارية أو المجتمعية دون حاجة إلى بنى تحتية ضخمة.
كما تطرّق النقاش إلى تحديات البيانات، حيث أشير إلى أن توافر مواد لغوية رقمية بالسواحيلية وباقي اللغات الإفريقية يبقى محدوداً مقارنة باللغات العالمية، ما يفرض اللجوء إلى شراكات مع مؤسسات إعلامية وتعليمية محلية للمساهمة في بناء أرشيفات نصية وصوتية يمكن تدريب النماذج عليها. واعتُبر أن نجاح هذه المقاربة يعتمد على تحقيق توازن بين الانفتاح المطلوب لتغذية النماذج بالبيانات، وبين الضوابط القانونية والأخلاقية المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية واحترام حقوق المؤلف والمؤسسات المنتجة للمحتوى.
في البعد الاقتصادي، رُبط هذا التطوّر بفرص ناشئة في مجالات الخدمات المالية عبر الهاتف المحمول، والصحة الرقمية، والتعليم عن بعد، حيث يُنظر إلى واجهات السواحيلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بوصفها عاملاً قد يسهّل تبنّي هذه الحلول لدى المستخدمين غير المتمكّنين من اللغات الأجنبية. كما طُرحت إمكانية استفادة الحكومات المحلية من هذه التقنيات في قنوات التواصل مع المواطنين، عبر روبوتات محادثة قادرة على تقديم معلومات إجرائية أو صحية أو اجتماعية بطريقة مبسطة ومفهومة في المناطق الناطقة بالسواحيلية.
واختُتمت العروض بالتأكيد على أن هذه الخطوة ما تزال في مرحلة أولية لكنها تعكس اتجاهاً متنامياً نحو تموضع إفريقي أكثر استقلالية في مجال الذكاء الاصطناعي، عبر تطوير نماذج لغوية وثقافية منبثقة من بيئة القارة نفسها وليس مجرد استنساخ للتجارب القادمة من الخارج. وتمّت الإشارة إلى أن متابعة هذا المسار ستتطلب استثمارات مستمرة في البنية التحتية الرقمية، وتشريعات ملائمة، وتعاوناً عابراً للحدود بين الفاعلين العموميين والخاصين، من أجل أن تتحول النماذج التجريبية المعروضة في المعارض الدولية إلى أدوات يومية متداولة لدى المستخدم الإفريقي العادي.


