الذكاء الاصطناعي بين طفرة الإنتاجية و«الركود الوهمي» في سيناريو Citrini Research

أضيف بتاريخ 03/03/2026
منصة ذكاء

قدّم معهد الأبحاث الاقتصادية «سيتريـني ريسيرتش» تقريراً يحمل عنوان «2028: الأزمة العالمية للذكاء»، صيغ على هيئة «رسالة من المستقبل» يتخيّل فيها الاقتصاديون مآلات الاعتماد الواسع على الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة خلال السنوات القليلة المقبلة. ومنذ نشر هذا التصور يوم 22 فبراير، اهتزّت وول ستريت؛ إذ سجّل مؤشر داو جونز الصناعي تراجعاً بنحو 1,7 في المئة، في حين خسر كل من S&P 500 وناسداك قرابة 1 في المئة، وتعرضت أسهم شركات برمجيات وخدمات سحابية على غرار IBM وDatadog وCrowdStrike وZscaler لهبوط حاد بلغ بالنسبة إلى IBM 13 في المئة في أسوأ جلسة لها منذ عام 2000.



ينطلق التقرير من فرضية أن أنظمة الذكاء الاصطناعي ستتجاوز التوقعات على مستوى الكفاءة والإنتاجية خلال 2026‑2027، غير أن هذه القفزة لن تفضي إلى رخاء واسع، بل إلى تسارع موجات تسريح الموظفين في قطاعات الخدمات والمهن المكتبية. الشركات، وفق السيناريو، ستستغل الانخفاض الكبير في تكلفة الأتمتة لتقليص كتلة الأجور وإعادة توجيه الموارد نحو البنى التحتية الرقمية، ما يسمح لها بتسجيل أرباح قياسية، لكن على حساب القدرة الشرائية للطبقة الوسطى التي تمثل ما يقارب نصف العمالة وأغلب الاستهلاك في الاقتصاد الأميركي.

يذكّر معدّو التقرير بأن الثورات التكنولوجية السابقة أفرزت وظائف جديدة، غير أنهم يفترضون أن وتيرة خلق الوظائف في عصر الذكاء الاصطناعي ستكون أبطأ بكثير من وتيرة زوال الوظائف التقليدية في المحاماة والمحاسبة والبرمجة والإدارة والقطاعات الخدمية، وأن الوظائف المستحدثة – مثل هندسة مراكز البيانات أو تصميم نماذج الذكاء – لن تعوّض من حيث العدد ومستوى الأجر ما يُفقد في المهن المكتبية ذات الأجور المرتفعة. في المقابل، يتوقع السيناريو أن يبقى الطلب على اليد العاملة في مجالات البناء والصحة والحرف الميدانية «مستقراً نسبياً»، لكن وزن هذه القطاعات في الاستهلاك والاستثمار لن يكفي لحماية الاقتصاد من ركود ناجم عن انكماش دخول الشرائح الأكثر إنفاقاً.

النتيجة المفترضة بحلول 2028 هي ارتفاع معدل البطالة في الولايات المتحدة إلى ما يناهز 10 في المئة وتراجع مؤشر S&P 500 بنحو 38 في المئة عن ذروة 2026، مع انتقال العدوى من سوق العمل إلى أسواق الائتمان، فالتأمين، ثم الرهن العقاري الذي يُقدّر حجمه بثلاثة عشر تريليون دولار. في هذا السياق يصوغ التقرير مفهوم «الناتج المحلي الوهمي»، أي نمو في المؤشرات الكلية مدفوع بفعالية الأنظمة الذكية بينما تتوقف الأرباح عن الدوران عبر الأجور والاستهلاك وتتركز لدى مالكي رؤوس الأموال والبنى التحتية الحاسوبية.

يتساءل معدّو السيناريو عن مصير الموظفين المسرّحين من وظائف كانت حتى الأمس القريب ذات قيمة عالية؛ إذ يفترضون أن جزءاً منهم سيتجه إلى مهن أقل دخلاً مثل قيادة الشاحنات أو سيارات الأجرة عبر المنصات الرقمية، في مرحلة انتقالية سرعان ما تهددها بدورها تقنيات القيادة الذاتية. ويُطرح احتمال تدخل الدولة عبر آليات من قبيل «عائد الذكاء الاصطناعي» أو ضرائب خاصة على الشركات الأكثر استفادة لإعادة توزيع جزء من الأرباح على المتضررين، غير أن التقرير يحذّر من أن وتيرة تفكك البنى الاجتماعية وسوق العمل قد تكون أسرع من قدرة المشرّعين على سنّ الأطر القانونية المناسبة.

مع ذلك، يشير خبراء ومسؤولون اقتصاديون إلى أن ما قدّمه «سيتريـني ريسيرتش» يبقى تمريناً فكرياً متشائماً لا سيناريو حتمياً، وأنه يتجاهل جزئياً إمكان اتخاذ حكومات وبنوك مركزية سياسات استباقية لتوجيه عوائد الذكاء الاصطناعي نحو الاستثمار في البنى التحتية والتعليم والحماية الاجتماعية. غير أن الانتشار الواسع للتقرير والتأثير الفوري الذي أحدثه في أسواق المال يعكسان درجة القلق المتزايدة من أن التحول السريع نحو اقتصاد تقوده المنصات والأنظمة الذكية قد يعيد تشكيل علاقة العمل ورأس المال والاستهلاك في الولايات المتحدة بطريقة تضع الاستقرار الاجتماعي والمالي أمام اختبار غير مسبوق منذ عقود.