أطلق تشاد هيرلي، أحد المؤسسين المشاركين لمنصة يوتيوب، موجة واسعة من النقاش بعد نشره تغريدة مقتضبة على منصة «إكس» قال فيها باللغة الإنجليزية: «Hope everyone enjoys their last year of meaningful work!» أي «آمل أن يستمتع الجميع بآخر عام من العمل ذي المعنى». وقد أعاد عدد كبير من الحسابات ترويج هذه العبارة، مقدّمين إياها بوصفها إشارة إلى أنّ عام 2026 قد يكون، في نظر هيرلي، المحطة الأخيرة قبل أن تنتزع أنظمة الذكاء الاصطناعي الجزء الأكبر من الوظائف ذات القيمة المضافة التي يشغلها البشر اليوم.
التغريدة التي لا تتجاوز جملة واحدة، جرى التعامل معها سريعاً بوصفها تعليقاً على تسارع وتيرة تبنّي أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في قطاعات متنوّعة، من الإعلام والبرمجة وحتى الخدمات المالية، في لحظة تشهد فيها الولايات المتحدة على وجه الخصوص عمليات تسريح لآلاف الموظفين مع ربط جزء من هذه القرارات بإعادة هيكلة تعتمد الأتمتة والبرمجيات الذكية. وقد ربطت تحليلات اقتصادية بين هذه الموجة وبين توقعات بارتفاع معدلات البطالة البنيوية خلال الأعوام المقبلة، في ظل تقديرات تشير إلى إمكانية فقدان ملايين الوظائف في الاقتصاد الأميركي بحلول 2030 إذا واصل الذكاء الاصطناعي مساره الحالي.
في النقاشات التي أعقبت التغريدة على المنصات الاجتماعية، تعاطى كثيرون مع تصريح هيرلي بوصفه تعبيراً عن تشاؤم حاد إزاء مستقبل العمل، فيما رأى آخرون أنه يستخدم صيغة تهكمية للفت الانتباه إلى تحوّل عميق في تعريف «العمل المجدي» أكثر منه إعلاناً نهائياً عن «نهاية» العمل البشري. بعض التعليقات ذكّرت بأن هيرلي، الذي راكم ثروته من خلال شركة استفادت مبكراً من موجة التحول الرقمي، يعبّر عن رؤية شريحة من رواد التكنولوجيا الذين يعتقدون أن الجدوى الاقتصادية لكثير من المهام الحالية ستنتقل بسرعة إلى الآلات والخوارزميات، فيما سيقتصر دور الإنسان على الإشراف ووضع الأطر العامة واتخاذ القرارات الحساسة.
بالموازاة، استُخدمت التغريدة كمنطلق لمقالات وتحليلات تحاول قراءة ما وراءها، إذ أشارت تقارير متخصصة إلى أن عبارة «العام الأخير من العمل ذي المعنى» تتقاطع مع سردية أوسع تتحدث عن اقتراب الذكاء الاصطناعي من مستوى تمكّنه من تنفيذ سلسلة واسعة من المهام المعرفية بوتيرة وكلفة لا تستطيع القوى العاملة مجاراتها. بعض هذه المقالات يذهب إلى أن الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في الشركات الكبرى لم يعد يقتصر على تحسين الإنتاجية، بل بات يهدف صراحة إلى تقليص الاعتماد على الموظفين في مجالات مثل خدمة الزبائن والتحليل المالي وإنتاج المحتوى، مع ما يحمله ذلك من ضغوط على فئات وظيفية كانت تُصنّف سابقاً ضمن «الوظائف الآمنة».
في المقابل، ظهرت أصوات تعتبر أن الحديث عن «العام الأخير» يعكس مبالغة رمزية أكثر منه تقديراً زمنياً دقيقاً، لافتة إلى أن كل موجة تكنولوجية كبيرة في التاريخ أدّت إلى إعادة توزيع للوظائف بدلاً من إلغائها بالكامل. أصحاب هذا الموقف يرون أن الذكاء الاصطناعي سيستلم الجزء الروتيني والمتكرر من العمل، بينما ستبرز قيمة المهارات المرتبطة بالحكم الخبروي والابتكار والعلاقات الإنسانية، ما يعني أن طبيعة «العمل ذي المعنى» ستتغيّر من جديد ولا تختفي. وبين هذين التصورين المتباينين، بقيت تغريدة هيرلي، بما تحمله من صياغة حادة واختزال، بمثابة جملة تلخّص مخاوف مرحلة كاملة من التحوّل التكنولوجي، وتمنح في الوقت نفسه مادة أولية لنقاش مفتوح حول شكل سوق العمل في السنوات التي تسبق 2030 وما بعدها.



