يُلاحظ في النقاشات الدائرة حول الذكاء الاصطناعي أنّ الخوف الأكثر تداولاً يتمثل في صورة «روبوتات قاتلة تجوب الشوارع»، في استدعاء لخيال سينمائي أكثر منه لتقييم عقلاني لمسار التكنولوجيا الراهن وأطرها القانونية والتنظيمية. هذا التصور يتجاهل أنّ استخدام الأنظمة القتالية المستقلة يخضع حالياً لقيود عسكرية وقانونية وأخلاقية صارمة، وأن معظم المخاطر الفعلية تتعلق باستعمالات أقل درامية بكثير، مثل أنظمة المراقبة، والتضليل المعلوماتي، والتلاعب بالأسواق، والانحياز الخوارزمي في القرارات الحساسة.[1]
في المقابل، يبرز لدى بعض رواد القطاع ما يصفونه بفرصة «الشركات ذات الصفر من الأشخاص»، أي كيانات اقتصادية تُدار في معظم عملياتها عبر وكلاء ذكاء اصطناعي يعملون بشكل متكامل، من تحليل السوق والتسعير إلى خدمة العملاء وسلاسل الإمداد، مع حضور بشري محدود في الإشراف القانوني والاستراتيجي فقط. تجارب بحثية في أوروبا، من بينها مشروع مشترك بين جامعة أمستردام وإحدى شركات الاستشارات، اختبرت عملياً إلى أي حد يمكن لوكلاء مستقلين تولي الوظائف التشغيلية لشركة، وانتهت إلى أن الاستقلالية الكاملة لا تزال بعيدة، غير أن جزءاً معتبراً من المهام يمكن فعلاً تفويضه للأنظمة الذكية مع الإبقاء على رقابة بشرية عليا.
هذا التصور لا يأتي من باحثين أكاديميين فحسب، بل تحوّل إلى محور نقاش لدى قادة شركات الذكاء الاصطناعي أنفسهم، ممن تحدثوا عن إمكان نشوء شركات مكتملة الوظائف تقريباً دون موظفين دائمين، في حال توافرت نماذج أكثر تقدماً وذاكرات أطول وقدرات أفضل على فهم السياق والتنسيق بين الوكلاء. بعض هذه الرؤى تربط بين الشركات ذات الصفر من الأشخاص وبين مسار سابق عرف بـ«الشركات ذات الشخص الواحد»، حيث كان رائد أعمال منفرد يوظف منصات سحابية وخدمات جاهزة لبناء نشاط اقتصادي قابل للتوسع، لتأتي الآن مرحلة جديدة تُستبدل فيها أجزاء متزايدة من هذا الجهد البشري بوكلاء برمجيين.
على مستوى الممارسة، ظهرت بالفعل أدوات تجارية تدير بشكل شبه ذاتي أنشطة كانت تحتاج سابقاً إلى فرق متخصصة، مثل إدارة الحسابات على المنصات الاجتماعية، وكتابة المحتوى، وجدولة المنشورات، والتفاعل الآلي مع الجمهور وفق قواعد يضعها المستخدم مسبقاً. هذه الأدوات تُستخدم حالياً لتقليص الوقت والموارد، لكنها تمثل أيضاً نموذجاً مصغّراً لكيفية إمكان قيام بنية تشغيلية كاملة تعتمد على سلسلة من الوكلاء المتخصصين، يتولون التسويق وخدمة العملاء والتحليل المالي ومتابعة المخزون ضمن بيئة واحدة.
بالتوازي مع ذلك، تشهد مؤسسات كبرى، من شركات تقنية ومنصات تعليمية، نقاشات مفتوحة حول آثار هذا التحول على سوق العمل، حيث يُطرح سيناريو تزايد قيمة الخبرات القادرة على تصميم الأنظمة ووضع السياسات والإشراف عليها، مقابل تراجع الحاجة إلى كثير من الوظائف التنفيذية الروتينية. تصريحات حديثة لفاعلين في الاستثمار تؤكد أن واحداً من «أكبر الفرص» في المرحلة الراهنة يتمثل في تدريب الأفراد والمؤسسات على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بكفاءة، بما يضع جانباً صورة «الروبوت المتجول»، ويركز على إعادة تشكيل البنية اليومية للعمل والخدمات.
في ضوء ذلك، يتبين أن الخوف المرتبط بمشاهد عنف مادي مباشر ليس هو الانعكاس الأكثر دقة لطبيعة التحول الجاري، وأن ما يبدو أقل جاذبية من الناحية الدرامية، أي بناء شركات وأعمال تعمل بأقل قدر من التدخل البشري المباشر، يمثل في الواقع محوراً مركزياً للتطور الاقتصادي المقبل، مع ما يرافقه من أسئلة قانونية وأخلاقية وتنظيمية لا تزال قيد التبلور.

