أظهرت تجربة حديثة على يوتيوب أن تقنيات توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي باتت قادرة على إنتاج محتوى طويل المدة يبدو حقيقيًا بالكامل. إلى درجة أن ملايين المشاهدين لا يكتشفون أنه مصنوع رقمياً. في الفيديو المتداول، يظهر رجل مسنّ يقدّم نصائح حياتية بلهجة واثقة وسرد درامي عن الشيخوخة والخبرة، لكنه في الحقيقة شخصية غير موجودة. جرى توليد ملامحه وصوته وحركاته بالكامل عبر أدوات الذكاء الاصطناعي. ورغم تجاوز عدد المشاهدات 3.6 ملايين مشاهدة، لم يشر أي من المعلّقين إلى أن الشخصية افتراضية أو مزيفة. ما يكشف عن فجوة كبيرة في وعي الجمهور بمخاطر المحتوى المركّب رقمياً.
يبدأ «الشيخ الرقمي» مقطعَه بالتعريف بنفسه على أنه في الثالثة والسبعين من عمره. ثم يخاطب المتلقي بلغة إنذارية مؤثرة: «أنا على وشك أن أقول لك شيئًا قد يزعجك: كل ما تعتقد أنك تعرفه عن التقدم في السن خاطئ تمامًا». بعد ذلك، ينسج حكاية شخصية عن مسار حياته بين النجاح المهني والصدمة الوجودية في عمر الثانية والخمسين، وهو سرد مكتوب بعناية لاستثارة التعاطف والإحساس بالحكمة المتراكمة. هذا البناء الدرامي، مع الأداء الصوتي المتقن، وحركات الوجه والجسد التي تحاكي تعابير الكهول، يجعل المتلقي يتعامل مع الشخصية بوصفها «شيخًا حقيقيًا»، لا مجرد نموذج تولّده الخوارزميات. هذا يفسّر عدم انتباه الجمهور إلى الطبيعة الاصطناعية للفيديو.
تكشف هذه الحالة عن تحوّل نوعي في قدرات الذكاء الاصطناعي على إنتاج «وجوه موثوقة» قادرة على احتكار سردية الخبرة والعمر والحكمة. وهذا ما يفتح الباب أمام توظيف هذه التقنيات في الإلهام والتحفيز من جهة، وفي التضليل وبناء سرديات مزيفة من جهة أخرى. فحين يستطيع صانع المحتوى أن يبتكر شخصية عجوز غير موجودة تمتلك ماضيًا مختلقًا وتاريخًا عائليًا وهميًا ثم تدلي بنصائح، أو حتى مواقف سياسية ودينية، من دون أن يشك أحد في صدقيتها، فإن ذلك يطرح أسئلة حول مستقبل الثقة في الفيديو بوصفه «دليلًا بصريًا» على الواقع. في المقابل، تفرض هذه التطورات على المنصات والجمهور والمؤسسات الإعلامية التفكير في آليات جديدة للكشف عن المحتوى الاصطناعي، ووضع معايير شفافية تُلزم منتجي هذا النوع من الفيديوهات بالإفصاح عن طبيعته الرقمية، حتى لا تتحول مثل هذه التجارب «المسلّية» اليوم إلى أدوات تضليل ممنهجة في الغد القريب.
