تشير دراسات تجريبية واسعة النطاق إلى أن روبوتات الدردشة المعتمدة على نماذج لغوية كبرى قادرة على التأثير في مواقف الأفراد تجاه المرشحين السياسيين والقضايا الخلافية، أحياناً بفعالية تتجاوز الوسائط التقليدية مثل الإعلانات التلفزيونية والمواد الدعائية المصورة. وتُظهر هذه الأعمال أن قوة الإقناع لا تعود أساساً إلى قدرة النماذج على تكييف خطابها مع شخصية كل مستخدم، بقدر ما ترتبط بقدرتها على إغراقه بسيل كثيف من المعلومات والوقائع والاقتباسات – الصحيحة منها والمختلَقة أحياناً – في مسار حوار يبدو متماسكاً وعقلانياً من الوهلة الأولى.
هذا الاحتمال، المتمثل في تحول النماذج اللغوية إلى أدوات محتملة للدعاية أو حتى للتهييج الأيديولوجي الواسع، كان محور نقاش مستمر بين خبراء السياسات العامة وعلماء الاجتماع منذ بداية انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي. فقد أظهرت بحوث سابقة حول الإعلانات السياسية أن تفضيلات الناخبين، في سياقات التنافس الحاد والرهانات العالية، تميل إلى قدر كبير من الثبات والمقاومة أمام محاولات التأثير عبر الرسائل الموحَّدة. ما لم يكن واضحاً هو ما إذا كانت الطبيعة التفاعلية للحوار مع آلة، مقارنة بتلقي رسالة ثابتة، قادرة على اختراق هذه «المناعة» النفسية ولو جزئياً.
في هذا السياق، أنجزت مجموعتان بحثيتان دوليتان تجربتين منفصلتين واسعتي النطاق شارك فيهما عشرات الآلاف من الأفراد في عدة بلدان. ركز الفريق الأول على تفكيك الآليات الدقيقة التي تجعل من روبوتات الدردشة أدوات إقناع فعّالة، فيما انشغل الفريق الثاني بقياس آثار ملموسة لهذه الأدوات في سياقات انتخابية فعلية. اعتمدت التجارب على حوارات نصية بين مشاركين بشر ووكلاء اصطناعيين حول قضايا سياسية محددة، من الشخصيات والسباقات الانتخابية إلى المبادرات التشريعية المحلية.
في إحدى هذه التجارب، جرى تجنيد آلاف الناخبين في الولايات المتحدة وكندا وبولندا للمشاركة في نقاشات قصيرة عبر النص مع نظام آلي قبل استحقاقات انتخابية رئيسية. في الحالة الأميركية، تم التفاعل قبل انتخابات 2024، حيث طُلب من المشاركين التعبير عن رأيهم في المرشحين الأساسيين ثم الدخول في حوار محدود زمنياً، بمتوسط لا يتجاوز بضع دقائق، مع روبوت دردشة مصمم لتقديم حجج مؤيدة لهذا الطرف أو ذاك. أظهرت النتائج أن هذا التفاعل القصير كان كافياً لإحداث تحول ملموس في مستويات التأييد على مقاييس كمية، وبهوامش تفوق غالباً ما يُنسب للإعلانات التلفزيونية أو المنشورات الرقمية أحادية الاتجاه.
اللافت أن هذه التحولات لم تقتصر على الناخبين المترددين أو ضعيفي الانتماء الحزبي، بل ظهرت أيضاً لدى مشاركين يصرّحون بهويات سياسية راسخة. في عدد من الحالات، نجحت الوكلاء الاصطناعية في تليين المواقف السلبية تجاه المرشحين المنافسين، بحيث أصبح بعض أنصار أحد المعسكرين أكثر تقبلاً للمعلومات الإيجابية عن المرشح المقابل. كما بيّنت المتابعات التي أُجريت بعد أسابيع من التجربة أن جزءاً من الأثر استمر مع الزمن، ما يشير إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بـ«تأثير لحظي» سرعان ما يتبدد، بل ببصمة نفسية ذات قدر معين من الاستدامة.
تجارب أخرى أُنجزت بالتوازي في سياقات انتخابية مختلفة أظهرت أن قوة الإقناع ليست حكراً على بيئة ثقافية أو لغوية بعينها. في كندا وبولندا، جاءت النتائج العامة في الاتجاه نفسه، مع فروق في الدرجة أكثر منها في الجوهر، ما يوحي بوجود آليات مشتركة تتجاوز خصوصيات النظام الحزبي أو التقاليد السياسية الوطنية. وفي تجربة تناولت مبادرة للتصويت على تقنين استخدام بعض المواد ذات التأثير النفسي على المستوى المحلي، تبيّن أن قدرة الذكاء الاصطناعي على تغيير المواقف كانت أكبر مما هي عليه في السباقات الرئاسية، بما أن هويات الناخبين في هذا النوع من القضايا تكون أقل تصلباً وأضعف ارتباطاً بالانقسام الحزبي التقليدي.
بالتوازي، ركزت تجربة أخرى على الجوانب التقنية التي تجعل نموذجاً لغوياً أكثر إقناعاً من غيره. نُظّمت لهذا الغرض دراسة واسعة في إحدى الدول الأوروبية شارك فيها عشرات الآلاف من المتطوعين، خاضوا نقاشات مع أنظمة مختلفة حول مئات القضايا تتصل بالصحة والضرائب والأمن والهجرة وغيرها. أظهرت النتائج أن التفاعل الحواري – أي تبادل الأسئلة والأجوبة في الزمن الحقيقي – كان في حد ذاته عاملاً مركزياً في إضعاف مقاومة المشاركين للحجج الجديدة، مقارنة بقراءة نص ثابت أو مشاهدة مادة مصورة لا تتيح الرد.
إحدى النتائج اللافتة تتعلق بدور «الشخصنة». فبينما يفترض كثيرون أن تكييف الرسائل مع العمر والخلفية السياسية والتفضيلات المعلنة سيضاعف فاعلية الإقناع، أظهرت البيانات أن مكاسب هذا التخصيص كانت محدودة نسبياً. في المقابل، كانت الاستراتيجية الأكثر تأثيراً هي ما يسميه الباحثون «كثافة المعلومات»: أي تقديم قدر كبير من الأرقام والوقائع والاستشهادات خلال حوار قصير، بما يكفي لخلق انطباع قوي بوجود أدلة وفيرة تدعم موقفاً معيناً، حتى عندما لا تكون جميع هذه العناصر دقيقة أو موثوقة. في هذه الحالة، يقلّ احتمال أن يمتلك المستخدم الوقت أو الموارد الذهنية لتفنيد كل نقطة على حدة.
كشفت هذه الأعمال أيضاً عن مفارقة مقلقة عند محاولة تعزيز القدرة الإقناعية للنماذج عبر تقنيات الضبط والتدريب الإضافي. فكلما تم دفع النظام باتجاه «ربح النقاش» وتعظيم تأثيره في تغيير مواقف المحاوَر، ازداد ميله إلى تقديم معلومات غير دقيقة أو مختلَقة، فيما يُعرف في أدبيات الذكاء الاصطناعي بـ«الهلوسة». في بعض الحالات، نسبت النماذج مواقف ثابتة إلى شخصيات عامة رغم تغير سجلها الفعلي، أو أرجعت بيانات اقتصادية إلى حكومات مختلفة عن تلك التي وقعت فيها هذه المؤشرات، بهدف دعم حجة سياسية بعينها.
مع ذلك، لا يبدو أن هناك علاقة مباشرة بين ارتفاع مستوى عدم الدقة وزيادة القدرة على الإقناع: النماذج الأكثر ميلاً إلى الخطأ لم تكن دائماً الأكثر فاعلية في تغيير المواقف. لكن حجم المعلومات المضلِّلة التي يمكن أن تُضخ في المجال العام عبر مثل هذه التفاعلات يظل تحدياً تقنياً وأخلاقياً بارزاً، خصوصاً إذا تم تشغيل هذه الأنظمة على نطاق واسع في حملات منظمة أو من خلال حسابات آلية لا تعلن عن طبيعتها.
إلى جانب ذلك، تذكّر الدراسات بحدود تعميم نتائجها على الواقع اليومي. فالمشاركون وافقوا على خوض حوارات مدفوعة أو منظمة زمنياً ضمن إطار تجريبي، وهو سياق يختلف عن الاستخدام العادي للمنصات الرقمية، حيث يمكن للمستخدم ببساطة تجاهل الرسائل أو رفض الدخول في نقاش من الأصل. ما زال من غير الواضح إلى أي مدى سيقبل ناخب غاضب أو متحفّظ الانخراط في حوار يدوم عدة دقائق مع وكيل مجهول الهوية في بيئة أقل انضباطاً من المختبر.
رغم هذه التحفظات، تعطي النتائج المتاحة انطباعاً بأن الذكاء الاصطناعي التوليدي يضيف طبقة جديدة إلى مشهد الاتصال السياسي، حيث لا يعود الناخب مجرد متلقٍّ لرسالة ثابتة، بل محاوِراً في نقاش متشعّب مع نظام مصمم ليكون مرناً، سريع الاستجابة، وقادراً على تكييف حججه في الزمن الحقيقي. هذا التحوّل يطرح، في الوقت نفسه، أسئلة حول تنظيم استخدام هذه الأدوات في الحملات الانتخابية، وحول ضمان الحد الأدنى من الشفافية بشأن هوية المتحدث، وحدود الجمع بين هدف الإقناع وضرورة الالتزام بالحقيقة.

