يتسابق العالم الرقمي لتمييز الحقيقي من المزيّف بينما تغمر منصات التواصل صورًا وفيديوهات فائقة الإقناع صُنعت أو عُدّلت بالذكاء الاصطناعي. ورغم وعود العلامات والاعتماديات والميتاداتا، يتضح أن محاولة وسم الواقع تفشل أمام الفوضى التقنية والحوافز التجارية المتضاربة. هذا المقال يعيد تقديم أفكار ومعلومات وردت في مقابلة طويلة مع جِس ويذربِد على موقع The Verge، حول معيار C2PA ومشهد توثيق المحتوى في زمن التزييف العميق.
بدأت شركات التقنية مبكرًا في طرح حلول تقوم على وضع بيانات اعتماد عند لحظة الالتقاط أو الإنشاء، لتتبع رحلة الصورة أو الفيديو عبر أدوات الإنتاج والمنصات. معيار C2PA الذي تقوده مبادرة من أدوبي مع انضمام لاعبين كبار مثل ميتا ومايكروسوفت وأوبنAI يُقدَّم كأكثر هذه الحلول نضجًا، لكنه في جوهره معيار ميتاداتا مخصص لتوثيق سير العمل الفوتوغرافي أكثر من كونه نظام كشف للذكاء الاصطناعي؛ يُسجّل متى التُقطت الصورة، وما الأدوات المستخدمة، وما التعديلات الطارئة، على أمل أن تقرأ المنصات هذه الاعتماديات وتعرض للناس معلومات مختصرة وواضحة عن أصالة المحتوى.
على الورق تبدو الفكرة أنيقة، لكن التطبيق ينهار سريعًا. يُفترض أن تكون الاعتماديات مقاومة للإزالة وحتى لالتقاط الشاشة، غير أن الاعترافات العملية تُظهر سهولة تجريد الملفات من هذه الميتاداتا عمدًا أو عن طريق سياسات رفع وتشفير عادية على المنصات. وحتى حين لا تُزال البيانات، كثير من المنصات لا تعرف ماذا تفعل بها: لا توجد دلالة موحدة، ولا تجربة عرض متسقة، ولا اتفاق على حدود المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي مقابل الصور الحقيقية الموثقة.
يتسع المشهد بتقنيات مكمّلة مثل SynthID من غوغل، وهي علامة مائية أكثر منها ميتاداتا، وأنظمة استدلال تنظر إلى القرائن وترجّح احتمالات التوليد دون جزم. هذه الأدوات قد تتكامل نظريًا، لكنها لا تقدم حلًا واحدًا شاملًا، ولا تنافس لتكون المعيار الوحيد. المشكلة ليست نقص الأدوات بقدر ما هي غياب تبنٍّ كامل ومتناسق عبر سلسلة الإمداد: المصنعون، أدوات التحرير، المنصات، والجمهور.
على جانب الالتقاط، تبنّت غوغل الاعتماديات في هواتف بيكسل، وانضمّت شركات كاميرات مثل سوني وليكا ونيكون إلى المبادرة في نماذج حديثة. لكن القاعدة العملية لدى المصورين لا تتبدّل كل عام، ولا يمكن إرجاع دعم الاعتماديات إلى ملايين الكاميرات القائمة بسهولة. حتى الفكرة المعقولة بتمرير الصور عبر وسطاء موثوقين مثل وكالات الصور التي تضمن سياسة عدم العبث لا تزال قيد النوايا أكثر منها أنظمة عمل فعلية، رغم عضوية جهات مثل شترستوك في اللجنة.
الأعقد يظهر عند التوزيع. أمثلة إطلاق فيديوهات مولّدة عبر Sora 2 وانتشارها دون وسم واضح كشفت هشاشة المنصات: بعضها يزيل الميتاداتا تلقائيًا، وبعضها يضع وسم صنع بالذكاء الاصطناعي عشوائيًا فيغضب المبدعون لأن الوسم يُشعر الجمهور بأن العمل أقل قيمة، وبعضها يطلب أمثلة كي تُعالج يدويًا دون بناء نظام صلب. وحتى حين يرفع قادة المنصات نبرة التحذير معلنين الانتقال من افتراض أن ما نراه حقيقي إلى الشك الافتراضي، تبقى الرسالة متناقضة: يدعون إلى تمييز الحقيقي بينما يمتلكون بالفعل معيارًا يفترض أن يوثق الأصالة، لكنهم لا يحسنون تطبيقه أو شرحه للمستخدمين.
تعقّد تعريف ما هي الصورة يُفاقم الإشكال. كاميرات الهواتف لم تعد تلتقط لحظة واحدة؛ إنها تدمج إطارات قبل وبعد الضغط، توازن الضوء والظلال، وتستعين بخوارزميات ذاكرة لا لحظة. الأدوات الذكية تتغلغل في التحرير إلى حد أن المبدع قد لا يدرك أن ميزة بسيطة كانت مدعومة بنماذج تعلم آلي، فهل يكفي ذلك لوضع وسم صنع بالذكاء الاصطناعي؟ أين الحد الفاصل بين تحسين تقني مشروع وتوليد مضلِّل؟ بلا تعريف تشغيلي دقيق ومتوافق، تتحول الوسوم إلى مصدر التباس وغضب.
الحوافز الاقتصادية تعطل الإصلاح. الشركات التي تستثمر بكثافة في الذكاء الاصطناعي هي نفسها منصات التوزيع: غوغل تشغّل يوتيوب وتروّج لميزات توليدية ونسخ افتراضية للمبدعين، ميتا تدفع باتجاه الذكاء الاصطناعي عبر منتجاتها، وإيلون ماسك يبني xAI ويملك المنصة التي كانت يومًا شريكًا مؤسسًا في مبادرات التوثيق. وسم المحتوى كمولّد يعرّض أرباح السلوب للخطر ويشي بأن الذكاء الاصطناعي أقل قيمة فنيًا، ما يدفع إلى مقاومة علنية أو صامتة لأي نظام وسم صارم ومستقر.
في المقابل، نشأت منصات صغيرة تعلن منع أعمال الذكاء الاصطناعي دعمًا للمبدعين، لكنها لا تملك آلية كشف موثوقة تُطبّق عند نطاق الإنترنت ولا تستطيع وحدها تغيير قواعد اللعبة. والنتيجة أن عبء التحقق يُلقى على الجمهور: معلومات متفرقة، وسوم غير متسقة، ونقاشات لا تنتهي في التعليقات حول هل هذا حقيقي؟ بينما الحاجة المجتمعية هي إلى حقائق قابلة للتحقق بسرعة ووضوح.
كل ذلك يقود إلى خلاصة عملية قاسية: كحل شامل لأزمة الواقع، فشلت منظومة الوسم والميتاداتا كما تُقدَّم اليوم. معيار C2PA يفيد حقًّا في سياقات توثيق سلسلة إنتاج العمل وإثبات نسبه للمبدع، لكنه لم يُصمَّم ولا يُدار على أنه درع عالمي ضد التزييف العميق. من دون تبنٍّ كامل عبر الأجهزة والأدوات والمنصات، ومن دون لغة واجهة موحدة تبسّط المعلومة للمستخدم بشكل لا يثير غضب المبدعين ولا يضلّل المتلقي، ستظل الاعتماديات والوسوم إما تُزال، أو تُساء قراءتها، أو تُعرض بطريقة تربك أكثر مما توضح.
ما يُرجَّح في المنعطف التالي هو تدخل تنظيمي يفرض خطوطًا حمراء وقدرات تتبع وشفافية حدّية على المنصات ونماذج الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع تحسينات تقنية في الميتاداتا والعلامات المائية مثل SynthID، وصياغة سياسات تحقق وسيطة لصور الأخبار والاحتجاجات والمجال العام. من دون هذا المزج بين الإلزام القانوني والبنية التقنية والتوافق العملي، سيبقى الواقع يخسر أمام التزييف العميق، وتبقى وعود الوسم مجرد طمأنة شكلية لا تغيّر النتيجة.