تُظهِر الإعلانات الاستثمارية الأخيرة في المغرب أن المملكة تستعد لاحتضان أربعة مراكز بيانات بقدرة كهربائية مجمعة تقارب 2 جيغاواط، رغم أن القدرة المجمعة لأبرز خمسة أسواق إفريقية في القطاع لا تتجاوز حتى الآن 500 ميغاواط وفق تقدير حديث لـ McKinsey. هذه الطموحات تتقدّم في سياق من شحّ المياه وبنية كهربائية لم تبلغ بعد المستوى الأمثل، فيما الطلب المحلي على خدمات السحابة وقدرات الحوسبة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي لا يزال في طور التشكل. ومع ذلك، يواصل المغرب جذب مطوري البنى التحتية الرقمية إلى جانب جنوب إفريقيا ومصر وكينيا ونيجيريا، بدافع موقعه وسياسته الطاقية وتوجهه نحو التصنيع الرقمي.
على مستوى المشاريع، يتقدّم طرح شبه عمومي تحت اسم Atlas Cloud Services التابع لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات في بنگرير، لبناء أكبر مركز بيانات حتى الآن داخل البلاد. وفي القطاع الخاص، أعلنت Iozera الأميركية في مايو 2024 استثمار 500 مليون دولار لإنشاء مركز بيانات بقدرة 386 ميغاواط داخل Eureka Park في تطوان، وهو مشروع منطقة تكنولوجية خاصة قيد التطوير. وبعد عام، كشفت Naver، وهي بمثابة “جوجل” كوريا الجنوبية، عن مشروع مماثل بقدرة 500 ميغاواط بالشراكة مع Nvidia وLloyds Capital، مؤكدة تجهيز البنية ببطاقات Blackwell من Nvidia وتوقيع شراكة مع TAQA لتأمين كهرباء متجددة عبر محطة نور ومنظومة الرياح كودية البيضاء التي طورتها الجهة العامة Masen. في هذا السباق، يعلّق أمين بنشقرون، نائب رئيس Schneider Electric والمسؤول عن عمليات شمال وغرب ووسط إفريقيا والجزر، بأن “الأول الذي ينفّذ مشروعه هو من سيأخذ السوق”، في إشارة إلى تنافس زمني حاد، بينما تعمل Schneider مع Iozera على حلول التبريد والإدارة الطاقية ضمن مذكرة تفاهم موقّعة في أكتوبر 2025 مع Schneider Electric.
مسيرة Iozera، المُؤسَّسة في 2023، أثارت تساؤلات في بدايتها، إذ أُلغي بروتوكول نوايا مع الدولة بشأن مشروع تطوان بعد أيام من الإعلان. لكنها استعادت بعض المصداقية لاحقًا بإعلانها الاستحواذ على مركز بيانات بقدرة 4.5 ميغاواط في هيوستن لخدمة احتياجات Tesla، حيث تدخلت Schneider لتحسين الكفاءة الطاقية. بالتوازي، يضع المغرب نفسه على خريطة مشروع “Mufungi” الذي تطوره Cassava Technologies عبر شركتها Africa Data Centres، لنشر “مصانع ذكاء اصطناعي” مجهّزة من Nvidia في خمسة بلدان إفريقية، باستثمار يقارب 700 مليون دولار، وفق ما أعلنته مجموعة الملياردير الزيمبابوي سترايف ماسييوا ضمن إطار المشروع المعلن.
وجهة الطلب الأساس لهذه القدرات ليست إفريقية بل أوروبية. فقد أكدت Naver أن قرب المغرب من أوروبا (نحو 15 كلم) واتصاله بعدة كابلات ألياف بصرية بحرية وتكلفة الكهرباء والتشغيل التنافسية تجعل منه موقعًا مناسبًا لبناء مركز بيانات يعمل بالطاقة المتجددة بقدرة 500 ميغاواط لتزويد أوروبا ببنية تحتية للذكاء الاصطناعي أكثر جدوى واعتمادية. ويوافق غي زيبي، الرئيس التنفيذي لـ Xalam Analytics المتخصص في سوق مراكز البيانات الإفريقية، على أن الطلب المستهدف في مشاريع بهذا الحجم هو أوروبي بالدرجة الأولى، ما يحوّل القدرة الحاسوبية المزمع تركيبها في المملكة إلى “منتج تصديري” جديد. وللاستفادة منه، تحتاج صناعة التعهيد وخدمات الاتصال إلى تحوّل واسع نحو مهارات تدريب نماذج ذكاء اصطناعي عالية القيمة، كما يوضح بنشقرون أن المقصود نماذج للطب والصناعات الدقيقة تتطلب ملفات خبرة مؤهلة، لا النماذج العامة التي تعتمد عمالة منخفضة الكلفة، وهي مسار مختلف عمّا تناوله نقاش تحوّل مراكز الاتصال في المنطقة.
عمليًا، شرعت Konecta الفرنسية، بقيادة نوردين بهمان، في خطة تدريب لنحو 4000 شخص على هذه الخدمات، مع نية توظيف واسعة في المغرب ومصر وسائر البلدان التي تنشط فيها، لخدمة عملاء أوروبيين وشرق أوسطيين. وعلى المدى المتوسط، تستهدف المملكة 40 مليار درهم من عوائد التعهيد والخدمات الرقمية الجديدة بحلول 2030، مستندة إلى موقعها وشبكاتها ونمو سوق الحوسبة عالية الأداء.
يبقى التحدي الأكبر طاقيًا وبيئيًا. يشير بول-فرانسوا كاتيه، المدير العام للرابطة الإفريقية لمراكز البيانات (ADCA)، إلى أن البنية الكهربائية اللازمة “لن تكون جاهزة بالكامل قبل 2035”، مع التأكيد أن بنى الذكاء الاصطناعي تستهلك طاقة تزيد خمس مرات عن خدمات السحابة التقليدية. كما تعكس مشاريع نور ورزازات ونور ميدلت صعوبات في تحقيق استقرار متواصل للطاقة المتجددة، فيما تمثل أنظمة تبريد مراكز البيانات معضلة إضافية في بلد يواجه إجهادًا مائيًا، ما يعقّد تنفيذ مشاريع عملاقة أُعلنت على نطاق واسع دون جدول زمني قريب لوضعها قيد التشغيل.