في مقاله الشهير «The End of Programming as We Know It» المنشور على موقع O’Reilly Media، يرى تيم أورايللي أن الحديث المتكرر عن اختفاء المبرمجين بسبب الذكاء الاصطناعي يخطئ فهم ما يحدث فعلاً في عالم البرمجيات. فهو يؤكد أن ما نعيشه اليوم يشبه الموجات السابقة التي غيّرت شكل البرمجة دون أن تلغيها. من التوصيلات اليدوية واللغة الثنائية، إلى لغات التجميع، ثم فورتران وكوبول وصولاً إلى جافا، كانت كل مرحلة ترفع مستوى التجريد وتسهّل مخاطبة الحاسوب. وفي كل مرة ظن البعض أن «البرمجة انتهت»، كانت النتيجة دائمًا زيادة عدد المبرمجين والتطبيقات والفرص الاقتصادية.
أورايللي يجادل أنه منذ هذا التاريخ، لا تضع أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية – خصوصًا النماذج اللغوية الكبيرة – حدًا للبرمجة، بل تعيد تعريفها. إذ أصبح بإمكان غير المتخصصين الحصول على نماذج أولية لبرامج معقدة عبر أوامر لغوية بسيطة، بينما ينتقل دور المبرمج المحترف من كتابة كل سطر إلى تصميم الأنظمة، وتحديد المتطلبات، وضبط جودة ما تنتجه الآلات. ويستشهد الكاتب بتجربة اقتصادية رصدها المؤرخ جيمس بيسن في كتابه «Learning by Doing»، حيث بيّن أن إدخال الآلات في مصانع النسيج في القرن التاسع عشر لم يُلغِ الحاجة إلى العمال المهرة، بل خلق طلبًا جديدًا عليهم، لأن استيعاب التكنولوجيا وتحسينها وابتكار استخدامات جديدة لها احتاج إلى سنوات من التعلم بالممارسة.
وفق هذا المنظور، ستجعل الموجة الحالية من الذكاء الاصطناعي البرمجة أقرب إلى «تنظيم الأفكار في صورة برامج قابلة للتنفيذ» كما ينقل أورايللي عن تشيب هوين، أكثر مما هي عملية لكتابة الشيفرة. سيُطلب من المبرمجين فهم ما يمكن إنجازه بالبرمجيات التقليدية، وما يمكن تفويضه إلى نماذج الذكاء الاصطناعي، وما يجب أن يبقى في يد البشر، ثم ربط هذه العناصر في سلاسل عمل منطقية تخدم أهداف المؤسسات. وبالمقابل، تتوقع رؤية أورايللي أن الشركات التي تكتفي باستخدام الذكاء الاصطناعي لتخفيض الكلفة ستتراجع أمام منافسين يستثمرون هذه الأدوات لابتكار خدمات جديدة ورفع جودة المنتجات، مستفيدين من ما يسميه الاقتصاديون «مفارقة جيفونز» حيث تؤدي زيادة الكفاءة إلى ارتفاع الاستهلاك وبالتالي إلى خلق فرص عمل إضافية بدل إلغائها.
من هنا، يخلص الكاتب إلى أن مستقبل البرمجة سيتحدد بمدى استعداد المبرمجين والشركات للدخول في مرحلة طويلة من «التعلم بالممارسة»، على غرار ما حدث في الثورات الصناعية السابقة التي درسها بيسن. وهذا يعني بناء مهارات جديدة في التعامل مع وكلاء ذكيين، وتصميم بنى تحتية تنظّم تفاعلاتهم مع البشر ومع بعضهم البعض، وتحويل هذه القدرات التقنية إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة. وعليه، فإن السؤال ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقضي على المبرمجين، بل أي نوع من المبرمجين سيستطيع قيادة هذه المرحلة. فبحسب أورايللي، من يتبنّى الأدوات الجديدة ويطوّر ملكة التفكير المنهجي سيصبح في قلب الطلب، بينما سيجد من يرفض التغيير نفسه خارج المشهد في عالم تتوسع فيه «المساحة القابلة للبرمجة» في كل قطاع من قطاعات الحياة المعاصرة.