هل تجعل روبوتات «أوبتيموس» دراسة الطب استثماراً خاسراً؟

أضيف بتاريخ 01/12/2026
منصة ذكاء

>

تثير تصريحات إيلون ماسك الأخيرة حول مستقبل الطب والجراحة موجة واسعة من الجدل، بعدما أكد أن روبوتات «أوبتيموس» ستتفوق خلال سنوات قليلة على أفضل الجراحين البشر، وستكون أكثر عدداً منهم على كوكب الأرض. يقدم ماسك هذه الرؤية على أنها ثورة تقنية ستجعل الالتحاق بكليات الطب خياراً بلا جدوى اقتصادية، أشبه بهواية باهظة الكلفة وليست مساراً مهنياً عقلانياً.  

في جوهر هذا الخطاب، يقوم ماسك على مقارنة زمن تكوين الجراح البشري، الذي قد يمتد لأكثر من عقد من الدراسة والتدريب، بزمن “تكوين” الروبوت، الذي لا يحتاج سوى إلى نسخ نموذج برمجي وإعادة نشره على عدد غير محدود من الآلات. هذه المقارنة تبدو للوهلة الأولى حاسمة لصالح الآلة، لأنها تراهن على سرعة التكرار وقابلية التوسع والقدرة على توحيد الأداء، مقابل محدودية الزمن البشري والقدرات الفردية.  

مع ذلك، فإن تحويل هذه الرؤية إلى واقع اصطدامه الأول سيكون بالواقع الحالي لتقنيات الروبوتات والذكاء الاصطناعي في المجال الطبي. فالتجارب القائمة اليوم في الجراحة الروبوتية تظل في معظمها “مساعدة” للجراح ولا تعوض دوره بالكامل، حيث يبقى الإنسان في موقع اتخاذ القرار، وتقدير المخاطر، والتعامل مع المضاعفات غير المتوقعة. كما أن الانتقال من أنظمة مساعدة إلى روبوتات تعمل بدرجة عالية من الاستقلالية يتطلب قفزة هائلة في دقة الاستشعار، وتفسير الصور الطبية، وضمان السلامة في كل سيناريو ممكن داخل غرفة العمليات.  

إلى جانب ذلك، تقف أمام هذا السينارিও أسوار تنظيمية وأخلاقية صلبة. فالأنظمة الصحية في العالم، مهما اختلفت بنيتها، لا تسمح عادةً باعتماد أدوات أو بروتوكولات جديدة من دون المرور عبر سنوات من التجارب السريرية، والتقييم المقارن، والمتابعة الطويلة لنتائج العلاج. ويتعين في حالة الروبوت الجراح حسم أسئلة شائكة تتعلق بالمسؤولية القانونية عند وقوع الخطأ، وحدود الاعتماد على الخوارزميات في اتخاذ قرارات تمس حياة المريض بشكل مباشر، ومدى قبول المجتمعات لفكرة أن تتولى الآلة وحدها هذه المهام الحساسة.  

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن امتزاج الروبوتات المتقدمة بالذكاء الاصطناعي سيعيد فعلاً تشكيل مهن الطب، وخاصة الجراحة. فجزء كبير من العمليات الروتينية الدقيقة، أو التكرارية، قد ينتقل خلال العقود المقبلة إلى أنظمة آلية أكثر استقراراً وأقل تأثراً بالإجهاد والانفعال البشري. وقد يجد الجراح نفسه مطالباً بالتحول من “منفذ مباشر” للعملية إلى “مشرف خبير” على منظومة معقدة من الأدوات الذكية، يتدخل عند الحاجة، ويعيد ضبط القرارات حين تظهر مفاجآت أو تعقيدات غير متوقعة.  

ما يمكن استخلاصه من هذا كله هو أن خطاب “لا تذهبوا إلى كلية الطب” يختزل واقعاً أكثر تعقيداً في عبارة صادمة هدفها إثارة الانتباه أكثر من تقديم نصيحة مهنية متوازنة. فحتى في سيناريو توسع كبير في استخدام الروبوتات، ستظل الحاجة قائمة إلى أطباء يمتلكون فهماً عميقاً للجسم البشري، وقدرة على التواصل مع المريض، ومهارة في إدارة الفريق العلاجي واتخاذ القرار في الظروف الحرجة. كما أن تصميم، وتطوير، ومراقبة، وتقييم هذه الأنظمة الذكية سيتطلب بدوره خبرات طبية عالية لا يمكن الاستغناء عنها.  

من منظور مهني وعلمي، ربما يكون السؤال الأكثر دقة اليوم ليس: هل ستختفي دراسة الطب؟ بل: كيف ستتغير ملامح التعليم الطبي في عصر الروبوتات والذكاء الاصطناعي؟ ففي عالم يتقدم بهذه السرعة، قد يصبح المطلوب من الطبيب القادم أن يجمع بين أساسيات العلوم الطبية الكلاسيكية، ومعرفة جيدة بالخوارزميات والبيانات، ومهارات أخلاقية وتواصلية تمكنه من إدارة علاقة جديدة ثلاثية الأبعاد: إنسان، وآلة، ومؤسسة صحية.