تفيد متابعة إعلامية أن الذكرى الثالثة لإطلاق نظم المحادثة الذكية في 30 نوفمبر 2022 تُقدَّم كنقطة انعطاف غير مسبوقة؛ إذ يُقال إنها نقلت الذكاء الاصطناعي من حيّز التحليل والتنظيم إلى مجال التعبير نفسه الذي اعتُبر طويلاً حصراً إنسانياً: إنتاج اللغة وصوغ الخيال في اللحظة. وتُطرح الفكرة ضمن سرد يصف انتقالاً حضارياً جرى بهدوء ومن دون استجابة سياسية تعادل حجمه.
وبحسب ما بُثّ في برنامج “La Terre au carré” على France Inter، تُنسب إلى قراءات فلسفية، من بينها أعمال إيريك سادان، خلاصة مفادها أن الطفرة تولِّد نمطين متمايزين من الذكاء الاصطناعي: نمطٌ “تفسيري–تنظيمي” متداول منذ سنوات يعتمد على جمع البيانات وتوجيه الأفعال، ونمطٌ “توليدي–إبداعي” يُفترض أنه يفوِّض للأنظمة أداء مهام ذهنية وإبداعية كانت تُزاوَل ذاتياً. ويُشار إلى أن هذا التفويض يُرى كتحوّل أنثروبولوجي يُهدِّد علاقة الأفراد باللغة بوصفها ممارسة ذاتية غير احتمالية.
وتُستعاد حجّة نقدية تقول إن اللغة المصنَّعة تعتمد على مبادئ التكرار والارتباط الاحتمالي، ما يُنتج، وفق هذا الطرح، “لغة مُتخشِّبة” تُقلِّد أنماطاً قائمة بدل أن تبتكر علاقات دلالية شخصية؛ ويُفهم من ذلك أن اتساع الاعتماد اليومي على هذا النمط قد يقود إلى ضمور التعبير الذاتي وتراجع القدرة على القول بضمير المتكلم. ويُذكر أن هذا الانزياح رافقه حماس اجتماعي واسع غطّى على أسئلة تربوية محورية تتعلق بمغزى الكتابة والتعلّم في عصر تفويض المهام اللغوية للأنظمة.
وتتّسع القراءة لتشير إلى أخطار على الفضاء العام مع تطوّر توليد الصور والفيديو والصوت؛ إذ يُقال إننا ندخل “عصر اللامتمايز”، حيث تتضاءل إمكانية التمييز بين الأصيل والمُصنّع، بما يهدّد المرجعيات المشتركة الضرورية للفهم المتبادل والديمقراطية. ويُضرب مثلاً بانزياح من “الأخبار الكاذبة” نحو “الصورة الفانتازية” التي تجعل تصوّرات فردية قابلة للإدراج في التمثيل الجماعي، بما يشيع التباساً وتمييعاً لحدود الواقع.
وفي الحقل الثقافي، تُستحضر وقائع مثل احتجاج كتّاب هوليوود في 2023 وحديثاً عن مسلسلات تُنتَج بمكوّنات مُولَّدة آلياً في الصين، للدلالة على بروز “فنّ بلا مُوقِّع” وعمليات إنتاج مُفرغة من الأجساد والمعرفة الحرفية. وتُساق لائحة مهن معرضة للتقويض—من الترجمة الأدبية إلى التصميم والسيناريو والموسيقى—بوصفها رصيداً اجتماعياً مهدَّداً مع ازدياد نزعة “الذاتية المُنغلقة” التي تفضّل محتوى مُفصّلاً على الرغبات الشخصية على اكتشاف الآخر.
أما في سوق العمل، فتُعرض مقاربة تُخالف “التدمير الخلّاق” الشومبتيري؛ إذ يُفترض أن سيادة اقتصاد الخدمات—المعتمد على المهارات الذهنية—تجعل التفويض الواسع للمهام المعرفية إلى الأنظمة مُفضياً إلى تقلّصٍ غير قابل للتعويض الوظيفي بمجرّد انتقالٍ قطاعي، خصوصاً مع دوافع الكلفة والسرعة. ويُستشهد بحالات نزاع مهني وقضائي حديثة للدلالة على مقاومات تُطالب بمواثيق استخدام تنظم ما يُقبل وما يُرفض داخل المؤسسات.
وتتضمّن الطروحات تمييزاً بين الذكاء الاصطناعي عامةً وتطبيقاته التوليدية؛ إذ يُشار إلى إمكانات بنّاءة في مجالات تحليلية أو علمية مقابل اعتبار الذكاء الاصطناعي التوليدي غير قابل للدفاع أخلاقياً واجتماعياً “من الألف إلى الياء”، بحسب هذه القراءة، لما يُسببه من تفريغٍ بطيء لقدرات الإبداع الفردي واستقلالية الحكم.
وتُختَم المقاربة بالدعوة إلى تحرّك عاجل خلال نافذة زمنية محدودة—تُقدّر ببضع سنوات—يرتكز على سياسات تربوية واضحة، ومواثيق عمل مُلزمة، ومبادرات مؤسسية لحماية “أعمال العقل” ومهن الثقافة. ويُقدَّم هذا المسار كشرطٍ للحفاظ على مقومات العيش المشترك والقدرة على صون “الحيّ” الكامن في كل فرد، في مواجهة سباقٍ جيواقتصادي على الاستثمار في البنى المُحوسبة قد يغذّي استهلاكاً طاقياً ومزيداً من التملّك التكنولوجي لمجالات التعبير.